محمد عبد العزيز الخولي
205
الأدب النبوي
المرء بسياج من العصمة ، ويقيه نزعات الشيطان . ويباعد بينه وبين المعاصي إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ « 1 » . وقد بين الرسول صلى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث صيغة من صيغ الذكر لا مشقة في حفظها ولا صعوبة في استيعابها ، وهي مع ذلك عظيمة الأثر كبيرة الجدوى « 2 » ، تغدق على المؤمن من فيض اللّه الخير الكثير ، والأجر الوفير ، تثقل من الطيبات حسناته ، وتمحو من أوزاره وسيئاته ، ولئن كانت سائر التكاليف شاقة على النفس . فإن الذكر بها هين سهل لا يستعدي قوة ولا استعدادا وإنما يوجب إخلاصا وتفريغا للنفس من شواغل الدنيا وهواجس « 3 » القلب . وليس بكثير على اللّه الذي وسعت رحمته كل شيء أن يجزل الثواب العظيم على العمل القليل . لما في هذه الصيغة من تنزيه اللّه عن الشريك والنظير ، وتحميده على سوابغ النعم وجزيل الفضل . وتعظيمه بما هو أهله . وأنت خبير أن هذه الفضائل إنما هي لمن أخلصوا في دعائهم . وكملوا في إيمانهم ، وتجنبوا المعاصي والحرام ، ونأوا عما يغضب اللّه من الآثام . ولا تظن أن من أدمن « 4 » الذكر . وأصرّ على ما شاء من شهواته وانتهك حمى اللّه يلتحق بالمقدسين الطاهرين ويبلغ منازلهم بكلمات يجريها على لسانه . لا يتجاوز أثرها فمه . يرشدك هذا الحديث إلى أن للأعمال والأقوال ثقلا وخفة يثقل منها ما كان خالصا للّه ويخفّ ما شابه الرياء والغافلة . ولم يكن في حضور القلب وانتباهه . وإن الأعمال صور ماثلة وأرواحها وجود الإخلاص فيها ولقد قال اللّه تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ « 5 » ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من قال سبحان اللّه وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر » « 6 » .
--> ( 1 ) سورة العنكبوت ، الآية : 45 . ( 2 ) الجدوى : العطية . ( 3 ) هواجس : ج الهاجس : الخاطر . ( 4 ) أدمن : دوام عليه . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 152 . ( 6 ) رواه البخاري في كتاب : الدعوات ، باب : فضل التسبيح ( 6405 ) . ورواه مسلم في كتاب : الدعوات ، الذكر والدعاء ، باب : فضل التهليل والتسبيح والدعاء -